علي الصيبعي
3 min read

الابتكار والحلقة المفقودة

يظل الابتكار محصورًا في دائرة التنظير داخل كثير من مؤسساتنا، ونادرًا ما يجد طريقه إلى واقع ملموس، خصوصًا في مجالات التقنية والحلول الهندسية والصناعات المعقدة. وليس السبب نضوب الأفكار أو غياب الكفاءات وإن كان ذلك تحديًا قائمًا، بل يكمن العائق الحقيقي في غياب “حلقة الوصل” التي تنقل المعرفة من فضاء البحث إلى ساحة التطبيق. فرعاية الابتكار ليست مجرد رغبة، بل منظومة تتطلب أسسًا هيكلية ولوجستية ومالية وقانونية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء أذرع بحث وابتكار مرنة، تمتلك صلاحيات استثمارية، وتُدار بعقلية تنفيذية تمنح المؤسسة جرأة المبادرة، وتشكل الواجهة التي يلتقي عندها المبتكر بالمستفيد.

هذه الأذرع لا يقودها كتّاب تقارير، بل ممارسون خاضوا تجربة التصميم والتفنيذ والتصنيع بأيديهم. ممن يعرفون كلفة القرار التقني، ويُحسنون الموازنة بين البناء الداخلي وشراء الحلول. لا يندفعون إلى إسناد كل تحدٍ للمقاولين والمستشارين الخارجيين، ولا يكتفون باقتناء حلول جاهزة تسلب المؤسسة فرصة التعلم. أولئك الذين احترقت أصابعهم بلحام الأسلاك، وغارت أعينهم خلف سطور الأكواد، وامتلأت صدورهم بغبار المواقع قبل أن تملأ جيوبهم الأرباح. يدركون أن الابتكار عملية تراكمية تتطلب نفسًا طويلًا، وأن القيمة الحقيقية ليست في “نجاح سريع”، بل في بناء قدرة مستدامة.

دور هذه الأذرع يتجاوز توليد الأفكار إلى تقييم الجاهزية التقنية للحلول، وربطها باحتياج تشغيلي واضح، والدخول كشريك مالي وتقني عند الحاجة، مع ضمان وجود المستخدم الأول داخل الجهة نفسها. هذه النقطة حاسمة: بدونها تبقى الحلول في نطاق النماذج الأولية، أما بوجودها فتتحول إلى منتجات قابلة للتشغيل والتوسع. حتى في حال فشل الحل، تبقى المؤسسة رابحة بما راكمته من خبرة عملية لدى الشباب، وهو ما لا يتحقق عبر نماذج تصدير العمل التقليدية التي تنتهي غالبًا دون نقل خبرة حقيقي وغياب لبناء المعرفة المؤسسية.

تتجلى أهمية هذا النهج في قطاعات متعددة. في البلديات مثلًا، يمكن تبني تقنيات لصيانة الطرق أو إدارة النفايات ضمن بيئة تشغيلية فعلية، حيث تعمل الجهة كمستفيد ومستثمر في آن واحد. في القطاع الدفاعي، تصبح المسألة سيادية؛ فالاعتماد على الاستيراد وحده لا يكفي، وبناء القدرات المحلية ضرورة للمواءمة وسرعة الاستجابة كما شهدنا ونشهد حولنا في هذه الحرب. وفي القطاع النفطي، الذي يمثل ركيزة الاقتصاد، فإن وجود هذا الذراع يمكن أن ينقلنا من تشغيل التقنيات إلى تطويرها، ومن استهلاك الحلول إلى تصديرها، خصوصًا في مجالات التنقيب والإنتاج والصيانة التي تتطلب فهمًا دقيقًا للبيئة المحلية.

هناك نماذج يمكن البناء عليها، مثل الشراكات البحثية بين بعض المؤسسات مثل شركة نفط الكويت وجامعة الكويت ومعهد الأبحاث. لكن نجاح هذه الشراكات يعتمد على وجود طرف داخل الجهة الحكومية قادر على تَرْجَمَة هذا التعاون إلى نتائج تطبيقية.

الخلاصة أن الحل لا يكمن في إنشاء كيان مركزي معزول، بل في توزيع أذرع الابتكار داخل كل جهة حكومية، بحيث تكون قريبة من التحديات الفعلية. المسألة ليست تنظيمًا إداريًا بقدر ما هي ثقافة تشغيل، تؤمن بأن الابتكار جزء من العمل اليومي، وأداة لضمان الاستدامة وبناء السيادة التقنية.

د. علي الصيبعي